
السماع (sema) مراسم روحانية يؤدّيها دراويش الطريقة المولوية، أتباع الصوفي الكبير مولانا جلال الدين الرومي من القرن الثالث عشر الميلادي، فيدورون على أنغام الموسيقى ذِكرًا لله. والدراويش الذين يدورون بتنانيرهم البيضاء لا يقدّمون عرضًا راقصًا، بل يؤدّون شعيرة تقوم على المحبة والتوجّه إلى الله. وقد أُدرجت المراسم المولوية للسماع عام 2008 على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية، وأهم مقصد لهذا التقليد في إسطنبول هو «تكية المولوية في غلطة» (Galata Mevlevihanesi).
في هذه الصفحة7
من هو مولانا الرومي؟
وُلد مولانا جلال الدين الرومي عام 1207 في مدينة بلخ، في أفغانستان اليوم، ثم استقرّت أسرته بعد رحلة هجرة طويلة في قونية (Konya)، عاصمة السلاجقة في الأناضول. وكان عالمًا ومدرّسًا مرموقًا حين التقى عام 1244 بالدرويش الجوّال شمس التبريزي، وهو لقاء غيّر مجرى حياته. ويُعدّ «المثنوي»، الذي نظمه بالفارسية في نحو خمسة وعشرين ألف بيت، من روائع الأدب الصوفي.
توفي مولانا في قونية يوم 17 ديسمبر 1273م. ويُذكر يوم وفاته باسم «شَبِ عَروس» (Şeb-i Arus)، أي «ليلة العُرس»، لأن الموت عند المولوية لقاءٌ بالحبيب، أي بالله. ولذلك فإن احتفالات الذكرى التي تُقام في قونية كل ديسمبر ليست مناحة، بل احتفاءٌ باللقاء. أما الطريقة المولوية فقد اتخذت شكلها المؤسسي في عهد ابنه سلطان ولد، ثم استقرّت مراسم السماع على هيئتها الحالية في القرون التالية.
رموز الزيّ: السِّكّة والتنّورة والخرقة
لكل قطعة يرتديها السمّاع (semazen) معنى. وبحسب التفسير المولوي فإنها تروي معًا قصة موت النفس والميلاد من جديد في الحقيقة:
- السِّكّة (sikke): القلنسوة الطويلة من اللبّاد بلون العسل، وترمز إلى شاهد قبر النفس. وحين ترون سِكّة منحوتة فوق شاهد قبر عثماني فاعلموا أن مولويًا مدفون هناك.
- التنّورة (tennure): التنّورة البيضاء التي تنفرج حول الدرويش وهو يدور، وترمز إلى الكفن.
- الخرقة (hırka): العباءة السوداء التي تُلبس في مطلع المراسم، وترمز إلى القبر. ويخلعها الدراويش قبل أن يبدؤوا الدوران، وهو فعل يُفسَّر تخلّصًا من التعلّقات الدنيوية وميلادًا جديدًا في الحقيقة.
- البوست (post): الجلد الأحمر الذي يجلس عليه الشيخ، وهو المركز الروحي للمراسم؛ وينحني الدراويش تحية له حين يمرّون أمامه.
معنى الدوران: اليد اليمنى إلى السماء واليسرى إلى الأرض
قبل أن يبدأ الدوران يقف السمّاع وذراعاه متقاطعتان على صدره، وهو وضع يُفسَّر شهادةً بوحدانية الله. ثم تنفتح ذراعاه ببطء: باطن كفّه اليمنى متّجه إلى الأعلى ليتلقّى الرحمة الإلهية، وباطن كفّه اليسرى متّجه إلى الأسفل ليمرّر تلك الرحمة إلى الناس والمخلوقات كلها. فلا يحتفظ السمّاع لنفسه بشيء، وإنما هو قناة فحسب.
يجري الدوران من اليمين إلى اليسار حول القلب، وتبقى القدم اليسرى ثابتة على الأرض بينما تدفع القدم اليمنى الدوران. ويدور الدراويش حول أنفسهم وفي الوقت نفسه في دائرة حول القاعة، وكثيرًا ما يُشبَّه ذلك بدوران الكواكب حول محاورها وحول الشمس. وتتألف المراسم من أربعة أقسام تُسمّى «السلام» (selam)، يعبّر كل منها عن حال روحية مختلفة، وتُختتم بتلاوة من القرآن ودعاء.
الناي والموسيقى المولوية
الموسيقى هي روح السماع. تبدأ المراسم بـ«النعت الشريف» (Na'at-ı Şerif)، وهو مدح للنبي ﷺ، تليه ضربات طبلتي «الكودوم» (kudüm) ثم تقسيمة منفردة على الناي. والناي آلة نفخ قصبية لها مكانة خاصة في الفكر المولوي: فالبيت الأول من «المثنوي» المشهور يدعو السامع إلى الإصغاء إلى الناي: «اسمع الناي كيف يحكي، وعن الفراق كيف يشكو». والناي المقطوع من منبته القصبي يرمز إلى الروح الإنسانية التي تحنّ إلى العودة إلى أصلها.
يُسمّى النافخ في الناي «نايزن» (neyzen). ويؤدّي موسيقى السماع فريق يُعرف في التركية بـ«مُطرِب» (mutrip)، وقد يضمّ إلى الناي والكودوم آلات مثل الربابة والطنبور والقانون. وتُعدّ المؤلفات المولوية، المسمّاة «آيين» (ayin)، من أعرق وأغنى ما في الموسيقى التركية الكلاسيكية.
تكية المولوية في غلطة: أول تكية مولوية في إسطنبول
بجوار محطة «التونيل» التاريخية تقع التكية المولوية في غلطة، التي تأسّست عام 1491 وتُعرف بأنها أول تكية مولوية في إسطنبول. وتُزار اليوم متحفًا يضمّ قاعة السماع الخشبية (semahane) وحجرات الدراويش (الخلوات) والمقبرة الصغيرة. وفيها ضريح الشيخ غالب، أحد كبار شعراء الأدب العثماني الديواني، ويرقد في مقبرتها بحسب المصادر إبراهيم متفرقة (İbrahim Müteferrika)، مؤسس أول مطبعة عثمانية تركية.
في عام 1925 صدر قانون بإغلاق جميع التكايا والزوايا في تركيا، وبقي السماع حيًّا بعد ذلك عبر احتفالات الذكرى والفعاليات الثقافية. ومن المعروف أن مراسم السماع تُقام في تكية غلطة في أيام محددة؛ ونوصيكم بمراجعة البرنامج ومعلومات التذاكر من المصادر الرسمية قبل الذهاب. ويسهل الجمع بين زيارة المتحف وبرج غلطة وركوب التونيل التاريخي في جولة واحدة؛ ولمزيد من الأفكار في المنطقة اطّلعوا على دليلنا لغلطة وكاراكوي.
السماع ليس عرضًا: آداب المشاهدة
ستجدون في إسطنبول فعاليات كثيرة تُعلن باسم «عرض الدراويش الدوّارين»، وبعضها نسخة مختصرة ومهيّأة للمسرح من المراسم. فإن أردتم استشعار عمقها الروحي فابحثوا عن سماع تنظّمه تكية مولوية أو مؤسسة ثقافية ويتضمّن أقسام الطقس كلها. وأيًّا كان مكان المشاهدة، فمن الاحترام لأهل السماع وللحاضرين مراعاة الآداب الآتية:
- لا تصفيق: السماع شعيرة عبادية عند المولوية، فلا يُصفَّق فيه لا أثناءه ولا في ختامه. وتنتهي المراسم بالصمت والدعاء.
- التصوير: لا يُسمح به عادةً أثناء المراسم، ولا يُقبل الفلاش إطلاقًا. اتبعوا تعليمات القائمين.
- الصمت: أغلقوا هواتفكم، ولا تتحدثوا، وحاولوا ألّا تغادروا قبل النهاية.
- الأطفال: قد تستغرق المراسم الكاملة نحو ساعة، فهي أنسب للأطفال القادرين على الجلوس هادئين مدة طويلة.
- اللباس: لا توجد قاعدة صارمة، لكن اللباس البسيط المحتشم يلائم روح المكان.
تراث اليونسكو ورسالة مولانا
أعلنت اليونسكو المراسم المولوية للسماع عام 2005 «تحفة من روائع التراث الشفهي وغير المادي للإنسانية»، وأدرجتها عام 2008 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي. كما احتفت اليونسكو بعام 2007، الذكرى الثمانمئة لمولد مولانا، بوصفه «عام مولانا».
يُقرأ فكر مولانا القائم على المحبة والتسامح اليوم في أنحاء العالم، ويمثّل السماع بابًا جميلًا يتعرّف منه الناس، على اختلاف معتقداتهم، إلى البعد الصوفي في الثقافة الإسلامية. وللأسئلة الأساسية اطّلعوا على أسئلة الزوار حول الإسلام، ولأمسيات ما بعد السماع اقرؤوا أمسيات شبه الجزيرة التاريخية. ولتمييز السِّكّة على شواهد القبور المولوية يساعدكم مقالنا عن آداب زيارة التُّرَب.
أسئلة شائعة
هل يُصفَّق في نهاية السماع؟
لا. السماع مراسم ذكر روحية عند المولوية، فلا تصفيق في أي لحظة منه. وتنتهي بهدوء مع الدعاء.
كم تستغرق مراسم السماع؟
تستغرق المراسم الكاملة عادةً نحو ساعة. وقد تكون العروض المختصرة أقصر.
هل يمكنني حضور السماع في تكية غلطة؟
من المعروف أن المراسم تُقام هناك في أيام محددة. وقد تتغير البرامج وحالة التذاكر، فراجعوا المصادر الرسمية قبل الذهاب؛ ويسعد مكتب الاستقبال لدينا بالمساعدة.
ماذا تعني وضعية يدَي السمّاع؟
الكف اليمنى المرفوعة نحو السماء تتلقّى الرحمة من الله، والكف اليسرى المتجهة إلى الأسفل تمرّرها إلى الناس والمخلوقات جميعًا.