
لا تُزيَّن مساجد إسطنبول بالصور أو التماثيل، بل بالكتابة والخزف والزخرفة، وكثيرٌ مما يبدو زخرفةً هو في الحقيقة نصٌّ يمكن قراءته. فالخط يجعل من اسم الجلالة واسم النبي ﷺ وآيات القرآن جزءًا من العمارة نفسها، بينما يضيف خزف إزنيق والأشكال الهندسية اللون والإيقاع. وبالنسبة إلى القارئ العربي، فإن التعرّف على أساليب الخط العثماني وبعض الزخارف الشائعة يجعل كل مسجد تزورونه أقرب وأوضح.
في هذه الصفحة7
لماذا الكلمة بدل الصورة؟
يتجنّب التقليد الإسلامي تصوير البشر والحيوان في أماكن العبادة، استنادًا إلى عدد من الأحاديث النبوية، ابتعادًا عن كل ما قد يشبه عبادة الأوثان، وحفظًا لقلب المصلّي متوجّهًا إلى الله وحده. وليس هذا حظرًا شاملًا للصور في الثقافة الإسلامية؛ فالمخطوطات العثمانية مثلًا تضمّ منمنمات بديعة. أما داخل المسجد فلغة الفن هي الخط والنبات والهندسة.
وهكذا ارتقت الكتابة لتصبح أرفع الفنون. سمّاها العثمانيون «حُسن الخط» (hüsn-i hat)، وكان الخطّاط يتدرّب سنوات طويلة على يد أستاذه حتى ينال «الإجازة» التي تسمح له بتوقيع أعماله. وقد أُدرج تقليد الخط في تركيا على قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
اللوحات العملاقة في آيا صوفيا
ما إن تدخلوا آيا صوفيا حتى تلفت نظركم الأقراص المستديرة الضخمة المعلّقة عاليًا في القاعة الرئيسية، بحروف ذهبية على أرضية خضراء. خطّ هذه الألواح الثمانية كبير خطاطي القرن التاسع عشر قاضي العسكر مصطفى عزت أفندي (Kazasker Mustafa İzzet Efendi)، وعُلّقت خلال الترميم الكبير بين عامي 1847 و1849 في عهد السلطان عبد المجيد. ويُقال كثيرًا إن قطرها نحو سبعة أمتار ونصف، ما يضعها بين أكبر اللوحات الخطية في العالم الإسلامي.
تحمل الألواح ثمانية أسماء: الله، ومحمد، والخلفاء الراشدين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وسبطَي النبي الحسن والحسين. وبحسب أغلب المصادر فإن آية النور التي تتوسّط القبة من خطّ الخطّاط نفسه. واجتماع الفسيفساء البيزنطية والخط العثماني تحت قبة واحدة يلخّص تاريخ المبنى الممتد خمسة عشر قرنًا أبلغ من أي لوحة تعريفية.
دليل سريع لأشهر النقوش
نقوش المساجد عربيةٌ في الغالب، وستتعرّفون على نصوصها بسهولة؛ أما المتعة الحقيقية فهي في تتبّع أسلوبها. فاللوحات الكبيرة تُكتب عادة بخط الثلث الجلي (celî sülüs) المهيب، وقد تلمحون أيضًا الكوفي بزواياه الحادة والنسخ المستدير المستخدم في المصاحف والكتب. وحين تتراكب الحروف وتتداخل لتصنع تكوينًا واحدًا، يسمّي الخطاطون الأتراك ذلك «الاستيف» (istif). وهذه أبرز ما ستلاحظونه:
- البسملة: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وتكثر فوق الأبواب وفي مطالع النقوش الطويلة.
- كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، جوهر العقيدة الإسلامية، ويسمّيها الأتراك «كلمة التوحيد» (Kelime-i Tevhid).
- آية الكرسي: الآية 255 من سورة البقرة، وكثيرًا ما تمتدّ شريطًا طويلًا حول القبة أو فوق النوافذ.
- آية النور: الآية 35 من سورة النور، ومطلعها «الله نور السماوات والأرض»، ولما فيها من صورة النور يكثر اختيارها للقباب.
- آية المحراب: فوق محراب كثير من المساجد العثمانية تجدون الآية 37 من سورة آل عمران: «كلما دخل عليها زكريا المحراب».
- التوقيع والتاريخ: ابحثوا في الزاوية السفلى من اللوحات الكبيرة عن توقيع الخطاط وتاريخ هجري.
خزف إزنيق: رستم باشا وصقللي وجامع السلطان أحمد
كان القرن السادس عشر العصرَ الذهبي لخزف إزنيق. ألوانه المميزة الأزرق الكوبالتي والفيروزي والأخضر، ثم منذ نحو خمسينيات القرن السادس عشر الأحمر المرجاني البارز. أما زخارفه فالتوليب والقرنفل والياقوتية والورد وزهر الرمان والسرو، وكثيرًا ما تُفسَّر على أنها صورة لحدائق الجنة.
جامع رستم باشا قرب السوق المصري مكسوّ كله تقريبًا بخزف إزنيق، ويضمّ أغنى تنوّع في التصاميم بالمدينة. وعلى بعد خطوات من فندقنا يجمع جامع صقللي محمد باشا (Sokollu Mehmet Paşa) بين خزف رائع على جدار القبلة وأشرطة من الخط؛ وبحسب الرواية ثُبّتت فوق بابه ومحرابه ومنبره قطع صغيرة يُقال إنها من الحجر الأسود في الكعبة. وخزف الداخل، الذي يُقال إن عدده يتجاوز عشرين ألف بلاطة، هو ما منح جامع السلطان أحمد اسمه الشائع «الجامع الأزرق».
زخارف بلا نهاية: الهندسة والأزهار
على الأبواب والمنابر وشبابيك النوافذ والسقوف سترون نجومًا ومضلعات متشابكة. تُبنى هذه الزخارف الهندسية بحيث يمكن نظريًا أن تمتدّ إلى ما لا نهاية في كل اتجاه، ويربطها كثير من الباحثين بمعاني وحدانية الله ولانهائيته. أما الأغصان الملتفة والأوراق المشقوقة المعروفة بـ«الرومي» (rumi)، والأزهار المحوّرة المعروفة بـ«الخطائي» (hatayi)، فهي المفردات الأساسية للزخرفة المرسومة والمكسوّة بالخزف.
وللتوليب (اللاله) مكانة خاصة في الفن العثماني؛ فكلمة «لاله» تُكتب في الرسم العثماني بالحروف نفسها التي تُكتب بها كلمة «الله»، وهي مصادفة تُذكر كثيرًا سببًا من أسباب شيوع هذا الزهر في الزخرفة.
التذهيب والإبرو: فنون الكتاب
التذهيب (tezhip) يؤطّر المصاحف المخطوطة واللوحات الخطية برقائق الذهب والزخارف الدقيقة المرسومة. أما الإبرو (ebru) فهو فن الورق المجزّع: تُرشّ الألوان على ماء مكثّف، وتُحرّك لتشكّل نقوشًا، ثم تُنقل إلى الورقة. وكان يُستخدم تقليديًا لأغلفة الكتب وهوامش اللوحات الخطية، وقد أُدرج الإبرو التركي على قائمة اليونسكو للتراث غير المادي عام 2014.
ولرؤية هذه الفنون عن قرب زوروا متحف الفنون التركية والإسلامية في ميدان السلطان أحمد، وكنوز قصر توبكابي، ومجموعة الخط في متحف صاقب صابانجي على البوسفور.
جولة قصيرة سيرًا من فندقنا «لقراءة» الجدران
- جامع صقللي محمد باشا: تأمّلوا تناغم الخزف والنقوش على جدار القبلة.
- جامع آيا صوفيا الصغير: تيجان أعمدة بيزنطية إلى جوار نقوش عثمانية في مكان هادئ وبسيط.
- جامع السلطان أحمد: أشرطة الكتابة في القبة وأنصاف القباب، والخزف في الطابق العلوي.
- آيا صوفيا: الألواح العملاقة وآية النور في القبة.
- متحف الفنون التركية والإسلامية: مصاحف مخطوطة، وتذهيب، ونماذج من الخط.
زوروا المساجد خارج أوقات الصلاة والتزموا بقواعد اللباس؛ والتفاصيل في دليل آداب زيارة المساجد. ولفهم المحراب والمنبر والقبة في العمارة العثمانية اقرؤوا ما هو المسجد، ولمزيد من العمارة جرّبوا جولة المعمار سنان.
أسئلة شائعة
لماذا لا توجد صور بشرية في المساجد؟
يتجنّب التقليد الإسلامي تصوير البشر والحيوان في أماكن العبادة، ابتعادًا عن كل ما يشبه عبادة الأوثان وحفظًا للتوجّه إلى الله. ولذلك تُزيَّن المساجد بالخط والزخارف النباتية والهندسية.
ماذا كُتب على الألواح المستديرة الكبيرة في آيا صوفيا؟
اسم الجلالة واسم النبي محمد ﷺ، وأسماء الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وسبطَي النبي الحسن والحسين. خطّها قاضي العسكر مصطفى عزت أفندي في منتصف القرن التاسع عشر.
أين أرى أجمل خزف إزنيق في إسطنبول؟
جامع رستم باشا يضمّ أغنى تنوّع في التصاميم. وجامع صقللي محمد باشا وجامع السلطان أحمد رائعان أيضًا، ويسهل الجمع بينهما في جولة مشي حول السلطان أحمد.
هل يمكنني تجربة الخط أو الإبرو بنفسي؟
نعم، تُقام في إسطنبول ورش تعريفية قصيرة في الخط والإبرو. اسألوا مكتب الاستقبال لدينا عن الخيارات المتاحة حاليًا.




